المقريزي

74

رسائل المقريزي

إنه شافهه بذلك عند توديعه إياه ، فجاءه ابن المقفع يوما فأدخله حجرة ، ثم سجر له تنورا ألقاه فيه وهو يصيح : يا أعوان الظلمة ، وقيل : إنه ألقى في بئر وأطبق عليه حجر . وقيل : حماما ، فلم يزل فيه حتى مات ، وقيل : دقت عنقه وقطّع عضوا عضوا وألقيت أعضاؤه في النار ، وهو يراها ويصيح صياحا شديدا ، وقيل : في بئر النورة في الحمام وأطبق عليه صخرة فمات « 1 » . وشكا بنو علي بن عبد الله ما صنع سفيان بابن المقفع إلى أبى جعفر المنصور ، فأمر بحمل سفيان إليه ، فلما جيء به وجاء عيسى بن علي وغيره ليشهدوا عليه أن ابن المقفع دخل داره فلم يخرج ، وصرفت دوابه ، وغلمانه يصرخون وينعونه وجاء عيسى بتاجرين يثبتون الشهادة على قتله ، فقال لهم المنصور : أرأيتكم إن أخرجت ابن المقفع إليكم ، ما ذا تقولون ؟ فانكسروا على الشهادة ، وكف عيسى عن الطلب بدم ابن المقفع ، وكان سديف بن ميمون مولى آل المهلب مائلا إلى أبى جعفر ، فلما استخلف وصله بألف دينار ، ثم اتصل بمحمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن حتى قتلا ، فاختفى حتى أمنه عبد الله بن علي والى المدينة ، فلما قدمها أبو جعفر جد في طلبه حتى ظفر به فجعله في جوالق ، وضرب حتى كسر ، ثم رمى به في بئر وبه رمق حتى مات . فهذا وأمثاله من سيرته خلاف سنن الهدى ، وكان الفضل بن الربيع يمنع عائد الخليفة أن يسأل عن شيء يقتضى جوابا ويقول : اجعلوا عيادتكم دعاء ، فإذا أردت أن تقول : كيف أصبح الأمير بالكرامة ، وإن أردت السؤال عن حاله فقل : أنزل الله على الأمير الشفاء والرحمة ، فإن المسألة توجب الجواب ، وإن لم يجبك اشتد عليك وإن أجابك اشتد عليه . وكانت الخلفاء إذا عطست شمتت ، فعطس هارون « 2 » الرشيد فشمته ، فقال له الفضل : لا تعد ، أتكلف أمير المؤمنين ردا وجوابا ،

--> ( 1 ) قال ابن كثير : وقيل غير ذلك في صفة قتله . ( 2 ) هارون الرشيد : أبو جعفر بن المهدى محمد بن المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله ابن العباس ، استخلف بعهد من أبيه عند موت أخيه الهادي ، وكان شجاعا كثير الغزوات حازما كريما ، لم يجتمع على باب خليفة ما اجتمع على بابه من العلماء . انظر ترجمته في تاريخ الخلفاء ( ص 325 ) ، البداية والنهاية ( 10 / 164 ) ، تاريخ اليعقوبي ( 3 / 139 ) ، الكامل لابن الأثير ( 6 / 69 ) ، تاريخ الطبري ( 10 / 47 ) .